"السيطرة على حياتي – العمل مع المتخصصين في الرعاية الصحية لتحقيق أهدافي الشخصية"

المقالة الفائزة للكاتبة شارلوت سيشر جنسن، الدنمارك 

عيش اللحظة 


ما زلتُ أتذكر ذلك اليوم. يوم شُخِّصتُ بالتهاب المفاصل الروماتويدي. كانت أفكاري مشتتة، تدور في حلقات مفرغة، في حيرةٍ تامة... لماذا؟ ما الذي يحدث؟ وماذا الآن؟ تلك الليلة - الليلة التي تلتها - هي ما أتذكره جيدًا، كيف بكيتُ بصمتٍ في وسادتي حتى كاد الدم ينزف. كيف تسللتُ إلى المطبخ في الظلام كي لا أوقظ العائلة، ورفعتُ درجة حرارة المدفأة إلى أقصى حد. أتذكر صوت طقطقة المدفأة الرتيب المطمئن، ودفئها، ذلك الصوت الهادئ الذي يُشبه صوت البحر، يُهدئني، ويمنحني نوعًا من الراحة المصطنعة. 

جلستُ على أرضية المطبخ الصلبة بتثاقل، واستندتُ إلى ذراعي المدفأة الجامدتين، اللتين منحتاني عناقًا دافئًا ضعيفًا. جلستُ هناك في الظلام، مثقلةً بالهموم. شعرتُ بحرقةٍ في ظهري، حيثُ كنتُ آمل أن أمتلك يومًا ما أجنحة ملائكية في عالمي الخيالي. منحني ألم الحرقة لحظاتٍ من الراحة من الوخز الحاد الذي شعرتُ به في جميع أطرافي. 

جفت دموعي. حدث شيء ما. تلاشت أفكاري، أخذت نفسًا عميقًا ونهضت بثبات. كان صراع محتدمًا يدور في ذهني بين النور والظلام. وانتصر النور! عزمت على عيش اللحظة والتطلع إلى المستقبل. هذه حياتي، وهذه قراراتي. لكن سرعان ما أدركت أنني بحاجة إلى سند. كان أمامي طريق طويل. 

سرعان ما تعلمت، بعد تجربة مريرة، أن هناك ثلاثة أنواع مختلفة من زيارات المستشفى. النوع الأول هو الزيارات التي أغادرها دون أن أكتسب أي معرفة جديدة، مضيعة للوقت والمال واللحظة الحاضرة. أما النوع الثاني فهو الزيارات التي أغادرها وأنا أبكي، إما لأنني لم أتلقَ أي اهتمام أو استماع، أو لأنني اضطررت للتصرف كمريض يعاني من مرض مزمن. 

ربما كانت إحدى تلك الزيارات التي اضطررت فيها لإجراء فحوصات وتحاليل دم لم أكن أملك القوة الكافية لتحملها. شعرتُ وكأن جسدي المنهك وعقلي المرهق يُستغلان. مع طبيب أو ممرضة مرهقة، شعرتُ أن مصيري بين أيديهم. بالكاد ينظر إليّ، بل يُطأطئ رأسه إلى الملاحظات التي كان ينبغي عليه قراءتها - أو على الأقل إلقاء نظرة سريعة عليها - قبل دخولي. عيون متعبة وتعليقات مبهمة: "تحاليل دمك جيدة. لذا، لا داعي للقلق". أشعر وكأنني مجرد رقم. الرقم 13 في طابور المرضى الذي لا ينتهي. يغادرون - وأغادر أنا - وقد تبددت آمالي. 

ثمّة نوعٌ أخير، وهو الأفضل. زياراتي المفضّلة. تلك التي يسألني فيها الطبيب أو الممرضة: "كيف حالك؟" فأجيب: "أنا بخير". يومئون برؤوسهم، ويميلون إلى الخلف بانتباه، ثم يسألون: "وكيف حالك حقًا؟" أشعر حينها بالإنسان الكامن وراء المعطف الأبيض، بدفء أعينهم، برغبتهم في شفائي، في أن أعيش حياةً طيبة، رغم الألم المبرح والعجز. لقد قرأوا - أو على الأقل اطلعوا - على ملفي الطبي. يتذكرون اسمي. أنا لست مجرد رقم. 

تلك الزيارات هي بصيص الأمل في نهاية النفق... عندما تكون في حالة يرثى لها، تبتسم لك الممرضة بحرارة وتقول إن كل شيء سيكون على ما يرام. وأنني أستطيع الاتصال بها في أي وقت للحديث عن أي شيء. ورغم أنها لا تعاني من الروماتيزم، إلا أنها تدرك - لأنها رأت كل ذلك من قبل - الشعور بالعجز والخوف والعجز أمام الأدوية وآثارها الجانبية وكل ما يترتب على ذلك من مشاعر أفصح عنها لأنها تغلغلت في أعماقي، وأخيراً
، هناك من يعرف كيف يخفف عني.

أشعر وكأن حملاً ثقيلاً قد أُزيح عن كاهلي. كل شيء يسترخي. كل شيء سيكون على ما يرام. ترتخي كتفاي، وأستطيع التنفس بحرية من جديد. تُدخل الإبرة بحرص، وتُطمئنني طوال الوقت. تُعطيني الأمل والإيمان بأن اللحظة الحالية بخير، وأن المستقبل سيكون أفضل، وأنه من الممكن التعايش مع الروماتيزم. 

يستغرق الأمر وقتًا. على الجسد والعقل على حد سواء أن يعتادا على هذا التغيير الجذري. وكذلك العائلة والأصدقاء. لم تعد كما كنت - جسدك يُصدر أصوات طقطقة وأنين. أجلس متوترًا في غرفة الانتظار وأنظر حولي. أنا محاط بأشخاص من مختلف الأعمار. أنا متأكد من أنهم جميعًا مصابون بالروماتيزم. بعضهم برفقة أحبائهم. والبعض الآخر يجلس هناك وحيدًا وينتظر. بطريقة ما، يُخفف عني معرفة أن هناك آخرين يعانون من نفس الأعراض، ولكن في الوقت نفسه، أشعر بألمهم - عدم اليقين الذي يساورنا جميعًا بشأن الحاضر والمستقبل. لا شك أن لدينا جميعًا نفس الرغبة الجامحة في الاستفادة القصوى من تشخيصنا، ومن حياتنا، وفي السيطرة على مرضنا 

أتنهد... بسبب ما هو مدون في ملاحظاتي، ولأنني لم أتفق مع الطبيبة التي رأيتها في المرة الماضية، ولأنني لا أريدها أن تكتب كلمة أخرى في ملاحظاتي. كانت لديّ القوة الكافية، وتمكنت في ذلك اليوم، وسط كل يأسي وخيبة أملي وألمي الذي لا يُطاق، من قول "لا". تحدثت مع الممرضة عبر الهاتف كما وعدتني. ردّت على المكالمة رغم ضغط عملها. أنا ممتنة لتلك المحادثة، ومتوترة بشأن من سأروي له قصة حياتي هذه المرة. في كل مرة أشعر وكأنها امتحان - امتحان مدته عشر دقائق، عليّ فيه أن أروي أكبر قدر ممكن من التفاصيل قبل انتهاء الوقت. ليس الأمر مجرد "مع السلامة. أراكِ بعد ثلاثة أشهر. لا تنسي تحاليل الدم". أعرف مسبقًا كيف سيكون الأمر. أشعر بالقلق يثقل كاهل قلبي الخافق، وكأن جناحيّ الوهميين يحتضنانني بشدة حتى أكاد لا أستطيع التنفس. 

أكاد أختنق حين يُنادى اسمي. أرفع رأسي بقلق فألتقي بنظرات دافئة. ها هو ذا يقف: الطبيب، يرحب بي، متكئًا باسترخاء على إطار الباب مرتديًا قميصًا، ومعطفًا أبيض مفتوح الأزرار، وبنطال جينز وحذاءً رياضيًا. مع ذلك، ما زلتُ متوترة. أتبعه بتعب. أجلس بثقل على الكرسي وأحاول البلع، لكن فمي جاف. أكاد أعجز عن استئناف قصتي. 

انحنى الطبيب إلى الأمام على كرسي مكتبه. تصفح ملاحظاتي، وشعرتُ بالأمل يتجدد في داخلي. نظرتُ إليه خلسةً، ولم يستطع عقلي المضطرب التوقف عن التفكير في أن حمل كل هذه الكتب الصغيرة في جيب المعطف ليس بالأمر الجيد. إنه ضارٌّ بالظهر. قابلتُ عينيه الودودتين بابتسامة حذرة، لم تتسع إلا حين سمعتُه يقول: "كيف حالك؟" سمعتُ نفسي أكذب – أجبته: "أنا بخير" 

دفع كرسيه نحوي، فارتطمت الكتب برفق بركبتي. سألني مجددًا، وعيناه تلمعان. شعرتُ بالارتياح، وأدركتُ أنني أبتسم له، رغم أن الدموع كانت تنهمر ببطء على وجنتيّ. ناولني منديلًا بلطف، وابتسم لي مشجعًا، وفحصني بدقة وحزم، بضغط مريح. استرخيتُ. نظر إلى فكي، ومسح الجل الشفاف عن خدي بحركة معتادة، وعلق مازحًا أنه لا يُحسّن تسريحة شعري. ابتسمتُ. لا يهم أنه لا يزال لزجًا على رقبتي، فقد سامحته. ناولني منديلًا آخر لأحاول بنفسي إزالة ما تبقى من آثاره دون أن أُفسد تسريحة شعري تمامًا. 

بينما كان يتحدث ويشرح ويطمئنني، كان يحدق بي. كنا حاضرين في اللحظة. توقفت دموعي. سمعت نفسي أقول الحقيقة. حتى أنني أدركت أن الأمر لن يتحسن، وأنه لن يزول، لكنه سيبقى على ما يرام. أنا بخير. كان يستمع، يراني، يسمع ما أقول. كلماته منحتني الأمل، واهتمامه ساعدني على التعبير بصدق. فحص كل مفصل من مفاصل أصابعي بدقة، وتدفقت دفئه وحيويته وجاذبيته لتغذي إيماني بأن هناك حياة مع التهاب المفاصل الروماتويدي. ربما ليست الحياة التي حلمت بها، لكنها حياة طيبة وكاملة. 

أغادر المستشفى بابتسامة على وجهي، حتى أنني أتمكن من ترك ابتسامة أو اثنتين للمرضى في غرفة الانتظار. في الخارج، تجفف أشعة الشمس آخر الدموع من زوايا عيني. أتنفس بعمق، وأقوّم ظهري، وأشعر بقوتي الداخلية تستيقظ، وأمشي بخطى ثابتة نحو موقف السيارات، لأخرج إلى العالم. 

أنا مستعدٌّ للعيش في اللحظة الراهنة واستقبال المستقبل. من الممكن السفر مع الروماتيزم في رحلة الحياة، شريطة أن تجد من يساعدك في ترتيبها. أستمتع باللحظة الحاضرة، وأستمتع بالحياة!